التخطي إلى المحتوى

ياسمين سعد
نشر في: الإثنين 3 يناير 2022 – 2:42 م | آخر تحديث: الإثنين 3 يناير 2022 – 2:42 م

الابتزاز الإلكتروني، أزمة انتشرت في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، لكن زادت حدتها وأصبحت ظاهرة خلال الأشهر الماضية، حتى تصدرت عناوين الأخبار قصة انتحار فتاة، بسبب تعرضها للابتزاز، ولم تكن هذه هي الحالة الوحيدة، فهناك عشرات القصص المشابهة.

لهذا فتحت “الشروق” باب المناقشة حول الابتزاز الإلكتروني، وأسبابه وكيف تحمي الفتيات نفسها من الابتزاز؟ وما هي الحقوق القانونية التي يجب أن يعلمها كل من يتعرض للابتزاز؟ كل هذا وأكثر سنقدم إجاباته خلال هذا الملف.

الابتزاز الإلكتروني معصية تعادل كبيرة من الكبائر

يقول الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء، إن الابتزاز يعني أن يستخدم الشخص الحرج الأدبي أو الحرج الاجتماعي أو الحرج الأسري أو فكرة الفضيحة أو التهديد الذي يتعلق بالسلامة الجسدية، من أجل الضغط على إنسان آخر؛ حتى يعمل عملًا غير صحيح أو لا يريد فعله باختياره أو ينافي الأخلاق أو القانون.

وأكد الورداني، عبر فيديو البث المباشر لدار الإفتاء على صفحتها الرسمية على فيسبوك، ردًا على سؤال: ما حكم الابتزاز شرعا؟ أن الابتزاز معصية ذات إثم كبير وتصل إلى كونها كبيرة من الكبائر، موضحًا أن الله تعالى كما كرم الإنسان بالعقل؛ فقد كرمه بالعلم والاختيار، وأن أي تهديد بسلب الإنسان لإرادته فهو حرام.

وأوضح الورداني خلال الفيديو أن الشخص المبتز؛ ظالم ومرتكب للكبيرة، لافتًا إلى أن الشخص الذي يقع عليه الابتزاز؛ عليه أن يقاوم هذا الابتزاز بكل ما أوتي من قوة وألا يسمح له بالتمادي؛ حتى لا يكون الشخص معينًا له على ظلمه، مفيدًا بأن الاستجابة للمبتز نوع من أنواع ظلم النفس.

وفي تصريحات خاصة لـ “الشروق” اتفقت دكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر مع فتوى دار الإفتاء قائلة: “الابتزاز الإلكتروني لا يليق شرعا ولا أدبا ولا اجتماعيا ولا إنسانيا ولا ثقافيا، هذه مسألة لابد أن نبتعد عنها تماما ولا نوظفها في الكيد لبعضنا البعض، ففي بعض الأوقات عندما يتضايق الرجل من المرأة، ينشر صورا ملفقة لها أو صورا صحيحة ولكن لا يصح نشرها، وهذا محرم تماما، وتعدي على حرمات الانسان”.

تمنت نصير أن تنتهي هذه الآفة من المجتمع المصري، طالبة من المشايخ أن يقوموا بالتنبيه المستمر عن مدى حرمة الابتزاز، لأنه ينتهك حرمة الفتيات، على عكس تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى صون الحرمات.

كما دعت نصير أهالي الفتيات اللاتي يتعرضن للابتزاز إلى أن يكونوا عقلاء في التعامل مع الموقف، وأن يتبعوا أسلوب النصح والإرشاد مع ابنتهم التي تعرضت للابتزاز، موضحة أنهم يجب أن يرسموا للفتاة الطريق الصحيح لكي تسير وفقا له في المستقبل.

الابتزاز الإلكتروني من أعراض الأمراض المجتمعية في مصر

الابتزاز الإلكتروني ليس سوى عَرَض لأمراض اجتماعية خطيرة تتوغل داخل المجتمع المصري ولا ينتبه إليها أحد، والتي نتجت عن انتشار الأمية، والفقر وبعد الأب والأم عن أبنائهم، حسبما يرى الدكتور سامي أيوب، أستاذ علم نفس التربوي بجامعة المنوفية.

ويقول أيوب للشروق: “الخوف من الفقر جعل الأم تخرج للعمل وتترك للمنزل، وللأسف لا يوجد بديلا للأم عندما يأت الأمر إلى تربية الأبناء، ولهذا نجد أن الجيل الجديد يعاني من خلل في شخصيته، فهو أصبح يتعلم كل شيء يعرفه من السينما والتليفزيون، وكل شاب يريد تجربة ما يراه، وهذا ساهم في انتشار الابتزاز الإلكتروني”.

وأوضح أيوب أن الفتاة أصبحت تصدق أن الدنيا عبارة عن علاقة رجل بسيدة تبدأ بحب من أول نظرة وتنتهي بالزواج، وبعد الثقة بالشاب الحالم، تفاجأ بأن الواقع غير الأفلام الرومانسية التي كانت تشاهدها، وعلى صعيد آخر يرى المبتز أن الزواج عبئا اقتصاديا كبيرا، فأصبح أسهل بالنسبة إليه ابتزاز الفتيات عن الزواج منهن.

وأشار أيوب إلى أن الأهالي تتعامل بطريقة خاطئة مع بناتهن من ضحايا الابتزاز، حيث لا يستوعب أحد منهم أن ابنتهم هي المجني عليها وليست الجانية، مؤكدا أن الأسرة يجب أن تربي أبنائها تربية صحيحة على احترام حقوق الإنسان، وعلى الخوف من الله تعالى وحده، ولا يكون الدافع للأبناء هو الخوف من الأسرة فقط، لأن ذلك يؤدي إلى العديد من المشكلات.

ومن الهام أن ترسخ الأسرة في نفسية الفتاة أنها تخشى من وقوعها في الخطأ خوفا عليها، حتى تتعلم أي بنت حماية نفسها بنفسها، دون أن تفكر في الصواب والخطأ من مبدأ ماذا ستفعل لي أسرتي إذا أخطأت، فالخطر الكبير يأت عندما تشعر الفتاة بأنها محاصرة بين شخص وثقت فيه واتضح أنه نذل، وبين أسرة لن ترحمها إذا أخطأت.

ويضيف أيوب أن الحل لهذه الأزمة هو القضاء على المرض الأصلي وليس على العارض فقط، موضحا أن أول شيء يجب أن نفعله هو القضاء على الأمية، لأن العلم لن يتسبب في حدوث مثل هذه الأخطاء، بالإضافة إلى السعي الدائم للقضاء على الفقر والمرض، لأن الجهل والفقر والمرض يشكلون الثالوث الذي ينتج عنه العديد من الأمراض الاجتماعية في المجتمع المصري.

واتفقت دكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، مع تصريحات أيوب، في أن أزمة الابتزاز الإلكتروني تنبع من ضعف الوعي لدى المجتمع المصري، هذا بجانب ضعف شخصية الفتيات اللاتي تتعرضن للابتزاز، بسبب مشكلات معقدة في الأسرة المصرية، نتج عنها خلل في شخصيات الجيل الحالي.

وتقول دكتورة هالة للشروق: “يجب أن تكون الفتيات أكثر حرصا على أنفسهن وصورهن، بأن يمنعن الاحتفاظ بأي صور لهن على هواتفهن المحمولة، خاصة في ظل انتشار الابتزاز الإلكتروني، ويجب على المجتمع أن يزيد من وعي الفتيات على الحفاظ على أنفسهن، وزيادة الوعي بشكل عام لجميع أفراد المجتمع حول هذه القضايا، من ناحية دينية ونفسية، مع وضع ضوابط اجتماعية للحد من هذه الأزمة”.

وأكدت هالة، أن الأسر يجب أن تتضامن مع الابنة التي تتعرض للابتزاز لكي لا تكون الابنة بيئة خصبة للاستغلال من قبل الشاب، موضحة أن البنت تشعر بالضعف الشديد عندما تتعرض لابتزاز من شاب في حين أنها لا تستطيع إبلاغ أسرتها بالأمر، مشيرة إلى أنه يجب أن نقوي هؤلاء الفتيات اللاتي تعرضن للابتزاز بالتضامن معهم، للقضاء على هذه الأزمة.